الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
19
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . التفريع على جملة : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فيتفرّع على ذلك حالتان : حالة التوبة ، وحالة التولي . والخطاب للمشركين الذين أوذنوا بالبراءة ، والمعنى : فإن آمنتم فالإيمان خير لكم من العهد الذي كنتم عليه ، لأنّ الإيمان فيه النجاة في الدنيا والآخرة ، والعهد فيه نجاة الدنيا لا غير . والمراد بالتولي : الإعراض عن الإيمان . وأريد بفعل تَوَلَّيْتُمْ معنى الاستمرار ، أي : إن دمتم على الشرك فاعلموا أنكم غير مفلتين من قدرة اللّه ، أي اعلموا أنّكم قد وقعتم في مكنة اللّه ، وأوشكتم على العذاب . وجملة : وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ معطوفة على جملة : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لما تتضمّنه تلك الجملة من معنى الأمر ، فكأنّه قيل : فآذنوا الناس ببراءة اللّه ورسوله من المشركين ، وبأنّ من تاب منهم فقد نجا ومن أعرض فقد أوشك على العذاب ، ثم قال : وبشر المعرضين المشركين بعذاب أليم . و ( البشارة ) أصلها الإخبار بما فيه مسرّة ، وقد استعيرت هنا للإنذار ، وهو الإخبار بما يسوء ، على طريقة التهكّم ، كما تقدّم في قوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ في سورة آل عمران [ 21 ] . والعذاب الأليم : هو عذاب القتل ، والأسر ، والسبي ، وفيء الأموال ، كما قال تعالى : وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ [ التوبة : 26 ] فإنّ تعذيبهم يوم حنين بعضه بالقتل ، وبعضه بالأسر والسبي وغنم الأموال ، أي : أنذر المشركين بأنّك مقاتلهم وغالبهم بعد انقضاء الأشهر الحرم ، كما يدلّ عليه قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] الآية . [ 4 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 4 ] إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 4 ) استثناء من المشركين في قوله : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 3 ] ، ومن الَّذِينَ كَفَرُوا في قوله : وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ التوبة : 3 ] لأنّ شأن الاستثناء